تغافل كأنك واسطي!
..
“الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل” قول جميل للشافعي رحمه الله تعالى.. وهذا القول وإن كان يصلح كشعار في الحياة عامة إلاّ أنه للحياة الزوجية أصلح.. خاصة إن علِم الزوج والزوجة كل ما يدور حولهم فتغافلوا ترفّعاً عن سفاسف الأمور وابتغاء استقرار الأسرة..
“قالت الزوجة: بعد مضي ثمانية عشر عاماً من الزواج وطهي الطعام أعددت أخيرا أسوأ عشاء في حياتي.. كان الخضارُ قد نضَج أكثر مما يجب.. واللحمُ قد احترق.. والسلطةُ كثيرةُ الملح.. وظل زوجي صامتاً طوال تناول الطعام.. ولكني ما كدت أبدأ في غسل الأطباق حتى وجدته يحتضنني بين ذراعيه ويطبع قبلة على جبيني.. فسألته: لماذا هذه القبلة؟ فقال: لقد كان طهيك الليلة أشبه بطهي العروس الجديدة.. ومن ثم رأيت أن أعاملك معاملة العروس الجديدة..”
قرأت هذه القصة وتأثّرت بها جداً.. كم نسبة مَن يتصرف كصاحبِنا هذا في موقف مشابه؟! لا شك أنها نسبة ضئيلة!.. فطبعاً بعد عشاء محروق ومالح نتوقع أن تقومَ الدنيا ولا تقعد وربما يقلب الزوج الطاولة ويغضب!
أعجبني في موقف هذا الزوج أنه لم يغضب.. وكظم ربما غيظه من العَشاء.. وأعجبني أكثر تحويلَه لهذا الموقف إلى مناسبةٍ يتقرّب فيها من زوجته بدل من تعنيفها.. فنظر إلى الأمر نظرة إيجابية وصنع من الحامض شراباً حلواً.. وهذا ما نحتاجه فعلياً في الحياة الزوجية لتستمر..
أتخيّل حالَ الزوجة وهي تعلم خطأها وربما كانت تنتظر اللوم من زوجها.. ألا ترون أنه بتصرفه ذاك أضاف إلى رصيده في قلبها الشيء الكثير؟
من البديهي أن تكون هناك أخطاء واختلافات وتصرفات لا يستسيغها الزوج في زوجته.. وكذلك بالنسبة للمرأة فقد يكون زوجُها يتصرف أحياناً بشكل يستفزها وتضيق به ذرعاً.. خاصةً أن الزوجين في بيتهما يتصرّفان بعفوية ومن دون تكلّف.. وهنا طبعاً لا بد من المصارحة بأسلوب لبق وفي الوقت المناسب باحترام ودون غضب ٍأو ثورة.. ولكن إن استطاع الشريك أن يتغاضى عن بعض الأخطاء أو التصرفات في شريكه لكي لا يُشعِره أنه تحت المجهر طوال الوقت أو أنه يترصّد له السقطات فهذا من شأنه أن يعزِّز العلاقة أكثر.. فلا مشكلة أن يغضَ الزوجُ الطرفَ عن أمور بسيطة في البيت.. ولا ضير في أن تتناسى الزوجة تقصيراً أو نقصاً في زوجها.. وإلاّ يفعلا تصبح الحياة جحيماً لا يُطاق!
وليس معنى التغاضي أن الزوجَ أو الزوجة أصبح غبياً بل على العكس.. فليس الغبي بسيّد في قومه.. ولكن سيّد قومه المتغابي!.. المتغافل بفعله هذا يُظهِر خُلُقاً كريماً حين يترفّع عن أمور لمصلحة الأُسرة العليا وليحفظ قلبه وحبه في قلب الشريك.. ولا بد أن يتعلّم منه الشريك وأن يقدِّر فيه مشاعرَه.. فليست البطولة أن ينقِّب الزوج عن الأخطاء ليبدأ حرباً ضروساً .. وليست الحصافة أن تحاسِبَ الزوجةُ زوجَها على صغائر أمور تتعمّد ملاحقتَها لتسفيهه.. إنما البطولة وسمو الأخلاق تكون في التغاضي والترفّع.. والتركيز على الإيجابيات والخِصال الجميلة في الشريك! حينها فقط سيشعر الطرف الآخر بمحبة وتقدير شريكِه له.. يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ” تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”..
وللأسف فقد اعتاد الأزواج التغافل عن الجيّد والجميل وركّزوا على السيء والسلبي.. بل ان بعضَهم يعتقد أنه يجب أن يُظهِر ذكاءه وفطنته وأن شيئاً لا يمكن أن يمضي في غفلةٍ منه.. فتراه يراقب ويعلّق ويحاسب ويبطش.. وقد ورد أن سيدَنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان في بيته كالثعلب وخارجِه كالليث.. فكان يتغاضى عما يحصل في بيته إكراماً لأهله لئلاّ يوقعَهم في حرج أو يُشعِرهم بتتبّعه..
ويؤكِّد استشاريو الطب النفسي والعلاقات الزوجية أنه “يجب على الأزواج التغاضي عن الهفوات الصغيرة التي يركز عليها البعض.. ولا يجب التوقف عند كل سلوك يقوم به الطرف الآخر والتعليق عليه وإلا فإن النتيجة ستكون عكسية وبشكل يهدم المنزل على من فيه..”
“إن التغافل فنٌ لا يتقنه إلا محترِفو السعادة” قولٌ فيه الكثير من الصحة.. فمَن أدمن النكد واعتاد الشقاق والسلبية لن يستسيغ هذا الفن.. ولا أقول أنه من السهل على من لم يعتد عليه أن يُتقِنه.. ولكن في نفس الوقت ليس صعباً على نفسٍ ترغب الاستقرار والهناء أن تتعلم هذا الفن.. فإنما العلم بالتعلّم والصبر بالتصبّر والحِلم بالتحلّم! “وما زال التغافل من فِعل الكرام” كما أكّد الحسن البصري رحمه الله تعالى..
آن الأوان لنغيِّر بعضاً من مفاهيمنا التي تؤثِّر سلباً على حياتنا ومَن حولنا.. ونتعلّمَ فنوناً تثبّت المودّة في البيوت.. وتجلب لنا السعادة والهناء!
مواضيع ذات صِلة..
وسوم: الأُسرة, التغافل, الحياة الزوجية, المودة, فن السعادة
أرسل هذا الموضوع الى صديق
اطبع الموضوع


25 ديسمبر 2009 في الساعة 6:34 م
لم أجد جديداً أضيفه…ولكن هل أطمع أن أتطفل على ظلالك وأنشر مقالاً لي يدور عن العلاقة الزوجية ولكن في إطار قصة قصيرة أو خاطرة ؟…بل هي ( هلوسات ليلة ممطرة) :
تجري وسط الجموع تجر حملها …الجميع يعدون في اتجاه واحد لانهاية له…يتصايحون ولا من منصت..ولا من ملتفت…يتدافعون وينفذون من خلال بعضهم وأحمالهم !!! أشكالهم كرتونية الملامح… ومنهم من لا ملامح له !!!تختلف أحمالهم وأثقالهم ..أمواج متلاطمة من البشر لا حصر لها….
تبحث هي عن شخص بعينه…المكان مظلم …ولكنها رأته فاتجهت نحوه مهرولة …تعرف المرأة زوجها من بين ملايين البشر…أدركته…تعلقت به…لم يعبأ بها …فحمله ثقيل ولا من معين…أمسكت بيده تقبلها…سامحني ، قالتها ودموعها الحارة تلسع خديها…لم أكن الزوجة التي تمنيت …عاندتك في بعض الأحيان…أغضبتك أحياناً أخرى…تمنعت عنك وتذرعت بحجج واهية…ولكني أحياناً لا أجد تفسيراً لبعض أفعالي…تعرف أن كيمياء المرأة مختلفة…تختلف شهرياً….تختلف كل فترة عمرية …وفي ظروف خاصة كالحمل…أتوسل إليك.
صامت شاخص ببصره إلى المجهول.. كالجموع يساق معهم إلى حيث لا يدري…تابعت في إلحاح لم يتعوده منها ، وليس من شيمتها ، هل تسامحني يرحمك الله ؟ … التفت إليها بابتسامة باهتة لا معنى لها…علها تتركه وشأنه..فالخطب أكبر من أن يتحمله….فرحت وانطلقت كالبرق تخترق الأشكال أمامها…تعجب لأمرها…لم تبحث عن أولادهما…لم تســـأل عن والديها…لم يشغلها عنه شيء آخر !!!
أحس أن حمولته خفت بعض الشيء ، فأسرع في المسير…الطريق طويلة …الظلام يلف المكان ، فكيف يرى من أراد ؟ لا يدري ؟ كيف أدركته ؟ لا يدري…لمحها على البعد وكأنها تطير !!! التفتت إليه…الوحيدة التي نظرت خلفها …تدفق الدم إلى خديها فتوردا ذلك التورد الذي حدث يوم أن اختلست إليه النظر حين جاء يخطبها فرأته ينظر إليها نظرة المحب الوله…
بلغ منه الجهد مبلغه…لا يقوى على السير..ورغماً عنه يهرول …وظنه أن جميع من حوله كذلك..
دوى في المكان صوت رهيب ارتجت له الأركان وأوجفت القلوب …تلت أنواراً أضاءت المكان فكادت أن تُعمى الأبصار…نفذ البرق من خلال النافذة الزجاجية…أضاء غرفة النوم السابحة في الأحلام…فزعة قامت من نومها …بدأ المطر يطرق النافذة برفق.. فاستبشرت بالمطر خيراً انعكس على صفاء وجهها….تحب المطر والرائحة التي ينشرها حين يربت على الطين في موطنها فيذكرها بطفولتها البريئة ، وعبق بلادها الطيبة…أزاحت عنها فراشها وقامت لتتوضأ…
جلست بعد الصلاة تدعو لزوجها وأولادها وتستغفر الله …عما قليل سيؤذن للفجر…مسحت حبات عرق لؤلؤية من جبهة الزوج..تحب كالنساء عبير عرق زوجها…تحتضن ملابسه في غيابه وتشمها وتتخيل نفسها بين أحضانه.. ربتت على كتفه برفق…استيقظ زوجي الحبيب…فتح عينيه في تكاسل وانفرجت شفتاه في ابتسامة رقيقة…. وفاجأها….أجل أسامحك حبيبتي !!!
25 ديسمبر 2009 في الساعة 9:10 م
جزاك الله خيرا يا اختي سحر
صدقت .. ان الزوج المتغافل حين يترفّع عن أمور في بيته هو شخص كريم
و ليس كما يعتقد البعض انه غبي ..
ليس سهلا ان تبني بيتا جميلا ..و لكن ليس سهلا كدالك الحفاظ عليه
27 ديسمبر 2009 في الساعة 1:55 م
أهلاً أخي أبو بسمة.. بل تزدان الظلال بهذه القصة الرائعة..
ليست المرة الأولى التي أقرأها فيها.. وحقيقة لا أملّ من إعادة قراءتها,, ففيها معاني راقية جداً..
أنتظر منك كل جديد أخي وسامحني على التقصير..
أختكم،،
27 ديسمبر 2009 في الساعة 1:56 م
أخي عبد المجيد.. جزانا وإياك كل خير..
أسأل الله تعالى أن تعمر بيوت المسلمين بالسعادة والمودة والرحمة..
دمتَ على التقى
أختك