زوجٌ صالح.. زواجٌ ناجح!
..
أثناء تجوالي في مكتبة في جدّة وقع نظري على كتاب للدكتور روبرت مارك ألتر بعنوان “زوجٌ صالح.. زواجٌ ناجح” ولفتني حصر نجاح الزواج بصلاح الزوج دون أن يذكر المسؤولية المشتركة بين الزوجين.. ومع أنني لا أحب أن أستقي ما يخص العلاقات الديناميّة الإجتماعيّة من الغرب لاختلاف التقاليد والعادات والأعراف بين شرقنا وغربهم إلا أن العنوان جذبني بشكل كبير فاشتريت الكتاب لأطّلِع على طريقة تفكير الدكتور روبرت هذا.. وحقيقة لم أندم على شراء الكتاب ففيه وجهة نظر مُعتَبَرة للكاتب ومع أنها لن تُعجِب الكثير من الرجال حيث سيجدون أنها مجْحِفة بحقِّهم إلا أنها تبقى صحيحة بالنسبة إلى فئة كبيرة جداً منهم.. وأتمنى أن يبتاعه رجال تلك الفئة التي تضع أوزار كل شيء على المرأة.. فحريٌ أن يُدرِكوا حجم المسؤوليّة المُلقاة على كاهلهم في إسعاد أُسَرِهم وإنجاح العلاقة مع زوجاتهم ولو من نظرة غربيّة فلعلّهم يقتنعوا بها طالما أنهم لم يستطيعوا الانصياع لما هو شرعي!.. وفعلاً يدهشني ما توصل هذا الدكتور بعد ثلاثين عاماً من العمل كمعالِج واستشاري للعلاقات الزوجية كونه رجلاً ومع ذلك فقد استطاع أن ينظر إلى الأمر بموضوعيّة وبعيداً عن العنجهيّة الذكوريّة ليؤكّد أن الرجل هو المسؤول الأول عن سوء العلاقة بينه وبين زوجته..
وبالرغم من أني أستعرض أفكار الكاتب – ولا أقوم بالدعاية له - إلا أنني أؤكّد على أمرين.. أولاهما أنني هنا أعرض نظرته ولست بالضرورة أتبنّاها ولستُ في مقام مناصرة المرأة على الرجل وسحقه!.. وثانيهما أن تراثنا الإسلامي زاخر بما هو أفضل وأرقى في الأمور الأُسريّة.. ويكفي اتّباع سنّة الحبيب عليه الصلاة والسلام في تعامله كزوج وأب ليحيا المجتمع الإسلامي في قِمّة السعادة والهناء حتى لو كان هناك مشاكل فتسويتها تصبح متاحة وسهلة وفوق كل هذا أجرٌ موصول وسعيٌ مشكور ورضا ربٍّ غفور..
وبالعودة إلى كتاب الدكتور روبرت الذي يعتبره دليلاً لكل الرجال من مختلف الأعمار والشخصيات حول كيفية محبة الرجال لزوجاتهم فيمكن حصر رؤى الدكتور روبرت في ثلاث استنتاجات أساسية توصّل إليها كخلاصة عمله الاستشاري وهي:
أولاً: مقولة أنّ كلاً من الرجل والمرأة مسؤول وبشكل متساوٍ عن خلافاتهما الزوجية خاطئة فأغلب المسؤولية تقع على عاتق الرجل.
ثانياً: على الرجل أن يغيِّر من طباعه وسلوكياته وصفاته للتخفيف من المشاكل الزوجية ولاستعادة السعادة وجذب الطرف الآخر له.
ثالثاً: هناك سبُلاً لتوطيد العلاقة مع الزوجة وأُخرى تباعد بين الاثنين فبوِسع الرجل أن يتقن “منظومة إرشادات” التعامل مع المرأة.
ويؤمن الدكتور روبرت أن “تغيير الرجل من نفسه سيسهم في تغيير علاقته الزوجية للأفضل.. فبوِسع المرء أن يستمتع بصحبة الزوجة التي حلم بها بمجرّد أن يتحوّل هو إلى الزوج الذي حلمت به”..
إنّ المرأة مهما كانت مشغولة فلن تنشغل عن محاولة تقوية أواصر العلاقة بزوجها ولو أحسن التعامل معها فستترك كل شيء لإسعاده حتى لو كانت على التنور.. ولن تتوانى عن تقديم الغالي والرخيص من أجل زوجها شريطة أن تكون مدركة تماماً لمشاعره الصادقة تجاهها وأنه يحبها فعلاً ويهتم بها ويحترمها ويحاول إسعادها بكل الطرق المتاحة له.. فحين ترتاح نفسيتها فستُريحه وتُريح بالتالي عائلتها كلها.. فهي إذاً معادَلة سهلة.. أعطِها الحب تعطيك أكثر.. وهذه قاعدة عامّة قد يكون لها استثناء ولكن بالمُجمَل هكذا تسير الأمور غالباً بين الأزواج..
ولكن يبقى مربط الفرس.. هل الرجل يصبو في قرارة نفسه للتغيير؟ أم أنه يحمِّل الطرف الآخر المسؤولية كاملة فعليها هي أن تتغيّر لما يناسب طبعه ويقع على عاتقها أن تهيّئ له سبل الراحة وأن تستجيب لطلباته ورغباته في أي وقت وكلما أراد ناسياً - أو متناسياً - أن عليه واجبات ومسؤوليات تجاه هذه المرأة التي يطالبها بالطاعة والخضوع..
حين يشعر الرجل أن زوجته تستحق الإهتمام والسعادة ويسعى جهده لاحتوائها وحضن هذه العائلة بحنان فإنّ مردود هذا سيكون بيتاً سعيداً ونفوساً هانئة تنعم بنِعمة السكن والسكينة..
وعليه بشكل رئيس أن يسعى للمثالية في هذه العلاقة كما يقول الدكتور روبرت إن أراد الاستمرار فيها.. فهذا واجب على الرجل أن يكون صالحاً.. واجب نحو الزوجة والأولاد والمجتمع بأسره..
وعليه أن يدرك أن الوصول للمثالية يتطلّب:
- وقتاً لاكتساب بعض الفضائل والتخلي عن بعض الخصال والعادات السيئة والضغائن المكنونة في داخله..
- جهداً قد يكون شاقاً في التنقيب داخل ثنايا الذات والوجدان والتعرّف على الجوانب النبيلة التي تثير الإعجاب وتحسين الجوانب السيئة في الشخصية..
- تغييراً نابعاً من النفس.. ولن ينجح المرء في عملية التغيير إلا حين يؤمن بحاجته إليه..
- ايماناً بأن الوصول إلى المثالية ممكن وليس معقداً طالما أن الأدوات معروفة والطريق معبّد..
هذا باختصار شديد منهج الدكتور روبرت.. دعوة إلى الرجل أن يتحمّل مسؤوليته في إحداث تغييرات سلوكية وفكرية مطلوبة لإصلاح حال العلاقة مع الزوجة.. وخاصة التغييرات - المُحِقّة – التي ترغب الزوجة في أن يحدِثها الرجل في العلاقة من توفير الإهتمام والاحترام وحسن التعامل والإنصات لها والتحدّث معها والحرص على مشاعرها والمراعاة لأحاسيسها..
فعلامة الرجولة الحقّة تتطلّب مراجعة الذات وإصلاح الخلل والرجل قادر على تحمّل هذه القضية.. ولعل إصلاح الحياة الزوجيّة هو الأهم في الحياة.. والتحوّل إلى رجل مثالي في نظر الزوجة لن يقلِّل من الرجولة أمامها بل على العكس فتحقيق هذه المثالية من شأنه أن يعطيه قوة هائلة في تفعيل الحياة ونشر السعادة.. ولربما يشعر الرجل حين يقوم بخطوات عمليّة نحو التغيير أنه غريب حتى عن نفسه ولكن ذلك سيكون في بادئ الأمر فقط وسيتبدَّد هذا الشعور حين تكون النتيجة ايجابية مع الزوجة..
وقد قسّم الدكتور روبرت الكتاب إلى أربع وأربعين فصلاً في كلٍّ منها توضيح موجز لمسؤوليات الرجل تجاه الصعوبات التي تواجه الزواج وعرض طريقة للتعامل مع الزوجة خلال هذه الصعوبات وكذلك إعطاء خطوات عمليّة للوصول إلى المثاليّة في العلاقة الزوجية..
في وقفة صغيرة مع النفس بعد قراءتي لصفحات من هذا الكتاب انتابني شعور أنّ أغلب الرجال في مجتمعنا الشرقي مختلفة تماماً عن هذا النموذج الذي يريده الدكتور في كتابه.. ففي أغلب الأحيان يريد الرجل عندنا من المرأة أن تتغيّر وأن تتحمّل المسؤوليّة وأن تتفهمه وتعذره وهو في المقابل لا يقوم بواجبه تجاهها.. بل لربما لوّح لها براية التعدّد كلما قصّرت أو تذمّرت!
تُرى كم نسبة رجالنا الذين يشعرون بضرورة تغيير أنفسهم ليصلوا إلى المثالية في العلاقة الزوجية؟ وإن شعر البعض بهذه الحاجة فكم منهم يجاهد نفسه للتغيير؟ ليست بثورة على الرجال.. ولكنها حقيقة يجب كشف النقاب عنها.. فلا فائدة من أن نعمى عنها خوفاً من النتيجة.. أو من أنفسنا!
وبعد هذا الإستعراض للكتاب وجب عليّ القول أنّ المسؤولية لا تقع على الرجل وحده ولو أنها تقع عليه بالدرجة الأولى.. فهي مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة ولذلك فإنّ ما في الكتاب يصح إلى حد كبير، وليس إلى حد مطلق، لإنه لا يمكن إغفال دور المرأة في الاستقرار والسعادة الزوجية..
دمتم سعداء..
..
مواضيع ذات صِلة..
وسوم: الأسرة, الزواج, السعادة, المجتمع
أرسل هذا الموضوع الى صديق
اطبع الموضوع


13 أكتوبر 2008 في الساعة 10:16 ص
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من الملاحظ أن الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) قد أوصى الرجال بالنساء خيراً حيث قال ( استوصوا بالنساء خيراً ) …بل إنه برر ماقد يحدث من بعض النساء بأنهن خلقن من ضلع أعوج…وقال أيضاً صلوات ربي وسلامه عليه : اتقوا الله في النساء…الحديث. ولم يوص النساء بالرجال…بل كانت أحاديثه لهن للحض على الإكثار من فعل الخيرات وطاعة الأزواج وما إلى ذلك…
بارك الله فيك أخية.
13 أكتوبر 2008 في الساعة 11:30 م
شدني كثيرا اختيار النموذج بصلاح الزوج
وهو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم
من ترضون دينه فزوجوه
فالأساس هو التدين وما بعده سيأتي لاحقا
18 أكتوبر 2008 في الساعة 8:27 ص
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
حيا الله أخي الكبير أبو بسمة : )
جزاك الله خيراً على الإضافة المميزة كالعادة.. وفعلاً دائماً ما كان الحبيب عليه الصلاة والسلام يوصي بالنساء خيراً.. ويأمر النساء بالطاعة وأن زوجها بابها إلى الجنة..
ولقد قرأت عن اعوجاج الضلع الذي إذا جاء يقوّمه فكسره وأحببت تلك اللفتة التي أخبرعنها الكاتب بهذا الشان.. حيث قال أن المرأة دائماً ما تكون حانية.. حين ترضع أطفالها تميل عليهم ويكأنّها تحميهم من كل ما يمكن أن يؤذيهم وهم في هذا الحال..
وكذلك فهي الحانية والحامية للأسرة وبمعنى آخر للمجتمع كله كون الأسرة هي نواة المجتمع..
بارك الله بك أخي ولا حرمني حضورك المميز..
سلامي للأهل..
18 أكتوبر 2008 في الساعة 8:28 ص
أهلا أخي عبد المنعم.. شرّفتني بحضورك..
الأساس هو الدين والخُلُق نعم كما أرشد الحبيب عليه الصلاة والسلام.. فهما ركيزتا البناء..
ولكنهما ليسا الوحيدين كما يمكن أن يوحي الحديث!
فبالنسبة لي التكافؤ في كل شيء أمر مهم جداً كما جعله بعض الفقهاء من الأركان..
وفقك الله أخي
أختك
22 أبريل 2009 في الساعة 7:14 م
السلام عليكم و رحمة الله و بركته
بعد السلام اقدم لكم تحياتي الخالصة لهذ الموقع و لكم بالمعلومات
ان اخيكم عبدالله تسعة و عشرون عام اريد اقبل على الزواج و لدي صديقة تعرفة عليها من مجرد
رئيتي اليها و طلبي منها على الهاتف ثما اتصلت بها لمدة سبعة ايام وطلبت مني صلاة الاستخارة ان و هي لمدة ثلاثة ايام دون ان اتكلم معا كالعادة .
و بعد
اسئل اخوني على هذا الاقتراح - هل يمكن الزواج بهذه الفتاة رغم انها تحبني و احبها
اتسائل نفسي
ورغم ذلك لم اخبر اهلي عليها و اريد التعرف بها اكثر و اكثر بيننا
قبل ان اتقدم اليها .
ارجو منكم الجواب و الطريقة المستحسنة و لكم مني فائق التقدير .
و جزاكم الله خير … دمتم في خدمة الامة و المجتمع و فقكم الله
22 أبريل 2009 في الساعة 10:21 م
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلا بك أخي الفاضل عبد الله..
لم أفهم أخي ماذا تعني بالصديقة.. وهل هناك “صداقة” بين الشاب والفتاة؟ وهل هذا مقبول عندكم أن تُقيم علاقة مع فتاة وتتواصل معها على الهاتف لتطلبها بعد ذلك للزواج مهما كانت فترة التواصل قليلة؟
إن كنتَ تستبيح هذا الأمر فأرى أن تُعيد بناء مفاهيمك الشرعية وإن كنتَ تعتبر انك قد ذللت فنسأل الله جل وعل لك ولنا المغفرة والرحمة..
أخي عبد الله.. الموضوع ليس مقتصراً على الاستخارة.. فيجب عليك أن تسأل عن الفتاة وتتحقق أنها تناسبك وأن وضعها يناسب وضعك وأن في هذا الزواج مقوّمات النجاح.. وتسأل عن أهلها وسيرتها وكل ما يمكنك التوصل إليه لتتأكّد أن الوضع مناسب لكما..
وبعد السؤال والارتياح للأمر تستشير وتستخير وتُقبِل على هذا الأمر.. فإن كان خيراً يسّره الله جل وعلا لك وإن لم يكن خيراً فيصرفه عنك..
أما الحب والغلاام والهيام قبل الارتباط فما هي إلا مشاعر فياضة قد تتبخر عند أول تصادم بأرض الواقع.. ولا يوجد شيء في الاسلام اسمه أريد أن أتعرف عليها قبل الزواج.. فأتِ البيوت من أبوابها وتقدّم لها بعد دراسة الموضوع كما أسلفت بشكل موسّع وشامل.. فإن خطبتها ووجدت ما يمنعك من الاستمرار بهذه الخطبة فيمكنكما التوافق على فسخ الخطوبة التي من المفترض أن تكون سرية عملاً بوصية الشرع الحنيف أن أسِرّوا الخطبة وأعلِنوا النكاح..
أسأل الله جل وعلا لك التوفيق والسداد والزوجة الصالحة التي تسكن إليها وتسكن إليك..
وفقك الله
أختك